المواطنة وتطورها التاريخي | أ. فيصل آل محمود

ملخّص ورقة “المواطنة وتطورها التاريخي”، من تقديم أ. فيصل آل محمود بجلسة “المجتمع والدولة: بين المواطنة الإسلامية والمدنية” التي عقدت بتاريخ 8 فبراير 2016 بحديقة السلمانية بالمنامة.

ما هي المواطنة؟

لغةً المواطنة تأتي من كلمة “واطن” وأي شخص يكون واطن في دولة معينة يسمى “مواطِن/ة”، فالمواطِن/ة هو من نشأ معك في وطن واحد، وما يحد علاقات المواطنة هو المحيط الجغرافي الذي يتواجد فيه المواطنون مما يجعلها علاقة جغرافية.

وإصطلاحياً المواطِن/ة هو أي شخص ينتمي إلى بلد يتمتع فيه بالحقوق السياسية كافة وحق تولي الوظائف العامة، ولكن توجد حالات خاصة قد لا يتمتع فيها الفرد بحقوقه السياسية أو قد تكون حقوقه ناقصة. ومثال على ذلك هو حين لم يكتسب الفرد الجنسية، وهنا تكمن علاقة المواطنة بالجنسية مما يخلق مستويات مختلفة من المواطنة.

أمّا من ناحية قانونية فالمواطنة ترتبط بموقع جغرافي معين وغالباً ما يكون موقع السكن أو العمل، وأهم عنصر في التعريف القانوني هو التمتع بالحقوق وتحمل الواجبات، فالإنسان لا يكون مواطناً إلّا إذا اكتسب الحقوق وتحمّل الواجبات.

رسالة دين الإسلام

المواطنة مصطلحٌ حديث، ولكن ليس من ناحية التطبيق بل من ناحية التسمية. فالمواطنة نشأت منذ التاريخ الأزلي، أي منذ كانا أمنا حواء وأبونا آدم في الجنّة بدليل قوله تعالى “يا آدم إسكن أنت وزوجك الجنة”، إلى أن حصل الخطأ وأُنزِل أبوينا من الجنّة وأصبح الموطن الجديد للبشرية الأرض بأكملها بدليل قوله تعالى “ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين”. وبعدما أنجبا آدم وحواء السلالة البشرية تقسمت هذه السلالة على مناطق مختلفة من بقاع الأرض ويعرّفهم القرآن الكريم بـ “الأقوام”، فبالتالي لا بد من الملاحظة أن ما كان يحد علاقات الناس في هذه الأقوام قد تكون علاقة محبة أو إخوة أو عشيرة.

مع التطور التاريخي بدأت الناس تتجمع حسب القبائل، بحيث أن القبلية والإنتماء القبلي كانت هي الفكرة السائدة إلى أن جاء الإسلام وغيّر في هذه المفاهيم إلى حدٍ ما. فالإسلام أتى برسالة أكبر مما تكون محددة في نطاق جغرافي أو قبلي معين، وهذه الرسالة هي أن هذه المفاهيم لا بد من أن تتغيّر، ليس لأن الإسلام دين فحسب بل لأنه أساس تعامل وأخلاق، وكيف أنه على الدولة احترام حقوق مواطنيها وأنه على المواطنين الإلتزام بواجباتهم تجاه الدولة أو الأمة.

ولكن ربما لدي انتقاد لمصطلح “المواطنة الإسلامية” لأنني أراها كفكرتين متناقضتين، لأن سبق وإن عرّفنا أن المواطنة تحدد بمنطقة جغرافية معينة والإسلام لم يقر حدود جغرافية للرسالة الإسلامية، فلو كان بالإمكان اقتراح تغيير للمصطلح لأسميته “المواطنة في الإسلام” بدلاً من “المواطنة الإسلامية”.

الدولة الحديثة والجنسية

أمّا بالنسبة إلى المواطنة المدنية لم تتطور إلى المستوى التي هي عليه اليوم إلا نتيجةً لتكوين الدولة الحديثة، وتحديد حدودها السياسية، وتحقيق استقلالها، وحملها لدستور يكفل للأفراد حقوق وواجبات. ولا تكتمل الدولة إلا بوجود ثلاث عناصر أساسية: الشعب، والإقليم، والسلطة السياسية، ولتأسيس المواطنة لا بد من تأسيس دولة.

الآن ما هي علاقة الجنسية بالمواطنة؟ سبق وذكرنا أن لا يمكن أن يكون هناك مواطنة إلا إذا تأسست الدولة بشعبها وإقليمها وسلطتها السياسية، والشعب قد يتكون من حاملي الجنسية أو غير الحاملين. ففي هذا السياق يصنّف الفرد التي يتمتع بجنسية الدولة الذي يقيم فيها كـ “مواطن/ة” والفرد الذي لا يتمتع بهذه الجنسية كـ “غير مواطن/ة” أو “مقيم/ة” أو غير ذلك من التصنيفات المشابهة.

فحين يتم ربط مفهوم المواطنة بالجنسية ينتج عن ذلك درجات مختلفة من المواطنة. فالجنسية تحدد للفرد حقوق وواجبات، بما فيها حق التصويت والترشيح والتعبير عن الرأي، وبناءً على ذلك، نشأ افتراض في التطور المدني والقانوني والفرد الذي يتمتع بالجنسية له حقوق أكثر من الفرد الذي لا يحمل جنسية الدولة التي يقيم فيها، باعتبار حامل/ة الجنسية صاحب/ة مصلحة ينتمي إلى إقليم الدولة.

في ظل نظام الجنسية تصبح المواطنة مبنية على أساس الولاء السياسي للدولة. وهنا يمكننا مناقشة موضوع تعدد الجنسية: هل التعدد يمحي فكرة الولاء والمواطنة عند الإنسان؟ وماذا لو الفرد لا يحمل أي جنسية (كفئة البدون في الكويت)؟ هل هذا يعني أنه لا يحمل ولاء أو مواطنة؟ وهل هو أقل مواطنة من شخص آخر يحمل الجنسية؟ هذه الاعتبارات يجب أن ننتبه لها من ناحية إنسانية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية ويجب أن نعي بتأثيراتها في نهاية المطاف.

نختم هذه الورقة بتساؤل حول علاقة المفهومين المدني والإسلامي للمواطنة: هل غيّر الإسلام من مفهوم المواطنة أو أساء لها؟ أم هل هو التقنين المدني الذي أساء إلى مفهوم المواطنة الإسلامية؟ أم كلا المفهومين أكملا على بعضهما البعض؟


فيصل آل محمود، حاصل على شهادة الباكالوريوس في القانون من جامعة المملكة بالبحرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *